كَيْفَ مَصَّرَتْ الغَيَّةُ المِصرية لُغَاتِ العَالَمِ


غية حمام قديمة مصنوعة من البوص


كَيْفَ مَصَّرَتْ الغَيَّةُ لُغَاتِ العَالَمِ؟

لم تكن غية الحمام في مصر يوماً مجرد فضاء لتطيير الطيور، بل كانت مسرحاً لامتزاج الحضارات ،
 وبوتقة صَهرت فيها العبقرية المصرية لغات الأمم التي مرت على أرض الكنانة.
 فإذا فتشت في لغة (الغية) اليوم، فلن تجد مجرد كلمات عابرة، بل ستعثر على طبقات تاريخية وجغرافية كاملة، تشهد كيف استقبلت الغية المصرية ثقافات العالم، وأعادت تصديرها بشفرة محلية شديدة الخصوصية.
لقد تلاقت في هذه الهواية روافد لغوية شتى؛ فمن أمهات كتب اللغة العربية الفصيحة ومصطلحات الصيد القديمة، اقتبس الغواة ألفاظاً بالغة الدقة لوصف ريش الجناح والتشريح مثل:
 "القوادم"، و**"الخوافي"، و"الصَّمَّة"، و"العواتق"**.
ومن البلاط العثماني واللغة التركية والفارسية – إبان العصرين المملوكي والعلوي حيث كان الباشوات والأمراء هم كبار الهواة – استعار الغواة مسميات الأثواب الفخمة والملابس والأشكال الهندسية؛ فأخذوا :
"الألاجة" (الذيل بلون مختلف)، و**"البخنق"** (البرقع أو طوق الرقبة الحريمي)، و**"الكُشْك"** (القصير الصغير)، و**"الشقلباظ"** (البهلوان السيركي).
ولم تقف اللغة عند هذا الحد، بل جرت على ألسنتهم كلمات من الإيطالية والفرنسية واليونانية القديمة، نتيجة اختلاط الغواة بالجاليات الأجنبية في أسواق تجارة الطيور العريقة بالقاهرة والإسكندرية." ، فظهرت كلمات مثل:
 "البرنيطة"، و"البزرميط"، و"اللوفت"، و"الكوبيا".

لمعرفة المزيد حَمل مجاناً كتابى

👇


وهنا تتجلى العبقرية الحقيقية لـ"ابن البلد" المصري القديم؛ فلم يكن هذا الغاوي يعبأ بتعقيدات القواميس أو قواعد النحو والصرف، بل كان يقود "مُجمعاً لغوياً شعبياً بالفطرة". 
لقد امتلك الغاوي المصري قدرة مذهلة على "تمصير" الكلمات الغريبة وتطويعها، فحول الألفاظ اللاتينية والتركية المعقدة إلى حركات صوتية سلسة، وصاغها بأسلوب بصري مجازي يعتمد على المشاهدة والتشبيه بالبيئة المحيطة.

لذلك، وَلدت هذه المصطلحات لغةً حية، ديمقراطية، وعابرة للطبقات؛ لغةٌ يفهمها ويهضمها "ابن الغية" العادي بسليقته.
و يستوي في فك شفرتها الرجل المتعلم الطبيب أو المهندس ، مع الصانع الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب فالأمى الذي لم يقرأ المعاجم، يدرك بذكائه الفطري أن البيضة الرخوة هي "برشت" تشبيهاً ببيض المطبخ ، وأن المنقار "مكبوس" أو "مدكوك" تشبيهاً بضرب الأرض ، وأن لون الخد عندما يزيد و يكسو معظم رقبة الفرد هو "حِرام" تشبيهاً برداء الحج.
بذلك تحول "الداير" فوق السطوح إلى مدرسة لغوية يتساوى فيها الجميع ، حيث المعيار الوحيد للعلم هو , قوة الملاحظة و فراسة الهاوي في معرفة مميزات و عيوب الحمام و كيفية الاستفادة من ذلك .

إن توثيق هذا المزيج اللغوي العجيب ؛ هو اعتراف بعبقرية الإنسان المصري البسيط ، الذي استطاع أن يصنع من لغات الأرض المختلفة شفرةً للهواية واحدة.
 تجمع القلوب ؛ وتملأ السماء حكايات .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق