أسرار فرخ الحمام الغزار المصري: لماذا يدمر "حمام التحضين" صحة طيورك الثمينة؟
بقلم: محمد مصطفى (أبو مصطفى)
في الماضي القريب، ومنذ ما يقرب من خمسين عاماً، لم تكن غية الحمام المصرية مجرد أقفاص وسلاكات لإنتاج الطيور، بل كانت أعرافاً، وأخلاقاً، وكلمة رجال تحكم طيوراً تحلق في السماء.
كانت الهواية تقوم على أصل ثابت وفطرة سليمة، قبل أن تتدخل التكنولوجيا الحديثة والميديا وتغير ملامح الغية.
في هذا المقال المنقول عن كتابنا (هواية الحمام بين الماضي والحاضر)، نفتح باباً قاطعاً لنناقش ظاهرة حديثة غيّرت ملامح الهواية، وهي الاعتماد الكلي على "حمام التحضين".
ما هو أفضل حمام تحضين ولماذا يلجأ إليه هواة اليوم؟
يعرف غواة الجيل الجديد "حمام التحضين" بأنه أزواج من الحمام بصفات معينة (مثل البنيان القوي والقدرة العالية على الزق)، يربيها الهاوي ويجعلها تتزاوج وتحصي (تبيض). بعد وضع البيض، يقوم الهاوي بسحب بيض الحمام الغزار الثمين ووضعه تحت حمام التحضين ليتولى هو عملية الرقد، والفك (الفقس)، وإطعام الصغار حتى الفطام.
أسباب انتشار ظاهرة التحضين في الغية الحديثة
هناك ثلاثة أسباب رئيسية دفعت الجيل الحديث للاعتماد على هذه الطريقة:
صغر حجم العظم (الفم)
بعض الأنواع القياسية من الحمام الغزار المصري، وعلى رأسها الحمام الصافي، تملك عظماً صغيراً جداً يصعب معه إدخال فم الزغلول الصغير بداخل فم الأبوين للحصول على الغذاء، مما يؤدي لنفوق الصغار.
رغبة الهاوي في عدم إجهاد طيوره الثمينة
حيث يكتفي البعض بترك حصويتين فقط لزوج الغزار طوال موسم الفرخ، ويتم تحضين باقي حصاهم تحت قصوص التحضين.
الجري وراء الناحية الإنتاجية والتجارية
الرغبة في أخذ أكبر عدد ممكن من الزغاليل من زوج واحد في أقل وقت، سواء بهدف تحسين السلالة والانتخاب، أو بهدف التجارة والربح.
عيوب وأضرار حمام التحضين على الفطرة البيولوجية للطيور
قديماً، لم يكن أجدادنا يعرفون شيئاً اسمه "ماكينة إنتاج البيض الصماء". كان الحمام كله بمختلف بيوته (القطقاطي، المسود، الريحاني، العنبري، والأبلق) يحصي، ويرقد، ويزق صغاره بنفسه حتى الفطام.كان الاستثناء الوحيد هو الحمام الصافي. وحتى مع الصافي، لم نكن نسرق حصاه ونتركه يبيض مجدداً؛ بل كنا نقوم بـ "تبديل الزغاليل بعد الفك". نأخذ زغاليل الصافي نضعها تحت قص شامي قريب في موعد الفك، ونأخذ زغاليل الشامي نضعها تحت الصافي! وبهذا كان الصافي يعيش غريزته الطبيعية ويقوم برعاية وتأكيل زغاليل الشامي بنجاح حتى الفطام، ويبقى الطير بصحة جيدة لأنه يعيش بفطرته السليمة.
السر العلمي والبيولوجي
ماذا يحدث للطير عند حرمانه من الرقد والزق؟إن حرمان الحمام الغزار من رعاية صغاره طمعاً في كثرة البيض هو "جناية بيولوجية" يدمر بها الهاوي عظام وجثة طيوره:
هنا تجد المواصفات الصحيحة لحمام التحضين المثالى
احتقان وتخمر الحويصلة
رقد الحمام على بيضه لمدة 18 يوماً يحفز جسم الذكر والأنثى على إفراز هرمون "البرولاكتين" (هرمون الأمومة والأبوة). هذا الهرمون يدخل الطير في حالة استرخاء وتجديد عصبي كامل ("روقان"). وفي الأيام الأخيرة، يقوم بتحويل بطانة الحويصلة لإفراز ما يُعرف بـ "لبأ أو لبن الحمام". عملية إطعام الصغار بهذا اللبأ هي بمثابة غسيل وتطهير طبيعي ودوري للحويصلة يتخلص بها الجسم من الخلايا الميتة والميكروبات الراكدة، وحرمانه منها يسبب احتقان الحويصلة وتخمر أمراض معوية كالكنكر وغيره.
خلخلة عظام الإناث والكساح
عملية الرقد والتأكيل تمنح مبيضا الأنثى وجهازها التناسلي فترة راحة طبيعية تصل إلى 40 يوماً. هذه الفترة هي الوحيدة الكفيلة بجعل جسمها يعوض مخزون الكالسيوم الرهيب الذي سُحب من عظامها لتكوين قشرة البيض. حرمانها من هذه الراحة يصيب جثتها بالخلخلة الحادة والكسح، وينهي عمرها الإنتاجي سريعاً ببيض "برشت" مشوه.
خلاصة التراث
إن أساليب "الفرخ القديم" التي كانت تترك الحمام يأخذ دورته الطبيعية كاملة كانت هي الأصح والأسلم لحفظ سلالات عظم الغية المصرية الخالصة من الاندثار. وما يفعله جيل الماكينات اليوم هو تخريب صريح تحت مسمى التحديث والتجارة.
ملاحظة للقراء:
لمعرفة المزيد عن كواليس الغية المصرية القديمة وأسرار النش والفرخ، يمكنك تحميل النسخة المجانية الكاملة لكتابنا (هواية الحمام بين الماضي والحاضر) المتاحة مجاناً على المدونة.