اليوم حكايتنا عن أجمل و أرق و أنعم نوع من أنواع الحمام الغُزار المصرى .
نتكلم عن فاكهة الهواية المصرية .
الريحانى
أولاً: التأصيل اللغوي
في لسان العرب والاشتقاق البيئي : الاسم مصري أصيل، خرج من لسان الغواة الكبار في مصر التاريخية، وجذره في معجم "لسان العرب" يعود إلى مادة
(روح)، والرَّيْحَانُ هو كُلُّ نَبْتٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، وأَصل مَجِيئه في كَلَامِ
العَرَبِ لِكُلِّ شَيءٍ نَاعِمٍ طَيِّبٍ لَيِّنٍ يُسْتَراحُ إليه.
طوّع الهاوي القديم هذا
اللفظ لثلاثة أسباب بيئية وجسمانية تظهر في "جتة" الفرد الخالص:
خفة الوزن واللين: الحمام الريحاني يمتاز بورقته (خفيف
الوزن) ونعومة ريشه الشديدة (تهديله)، فكأنه ورقة ريحان رقيقة لا وزن لها بين
الأصابع.
اللون والظلال: لون الجتة الأسود الحالك المدجج بـ
"أهداب" ولمعان أخضر خفيف يزداد وضوحاً في ضوء الشمس عند الرقبة، يشابه
تماماً ظلال أوراق نبتة الريحان المصرية في البساتين عند اشتداد خضرتها وميلها
للقتامة.
الفتيار المذهب: الرقبة التي يزينها الفنيار البرونزي المائل للاحمرار (المذهب)، تحاكي عروق زهرة الريحان وبراعمها التي تنبت في قلب الخضرة الناعمة، فجاءت التسمية لوصف تداخل خضرة الجتة وسوادها الحالك بذهبية الرقبة.
ثانياً: فصل الخطاب في
العلاقة بـ "الخط الريحاني
هناك
رابط وثيق وعبقري في وعي الهاوي القديم،.الخط الريحاني (أو الخط الريحاني الشريف)
هو مشتق من الخط النسخ، ابتكره الخطاط العباسي "ابن البواب"، ويمتاز
بخصائص هندسية تتطابق حرفياً مع تشريح توب الحمام الريحاني:
الألفات الممسوحة
والممتدة:
تمتاز حروف الألف واللام في الخط الريحاني بأنها طويلة، رفيعة، وتنتهي بـ
"ترويسة" دقيقة رشيقة، وهو تماماً نفس هندسة رقبة الفرد التي تكون
(بخنق) ضيقة وليست متسعة، وجسمه المسحوب الطويل (٣٥ سم أو يزيد ) الذي يشبه المسلة
القاهرية.
دقة العِظم وحِدّة الخط: حروف الخط الريحاني حادة ومنضبطة ولا
تحتمل السُمك، وهذا يطابق مواصفات "العظم المكنير" (المقصوع الأشحج) [1] , الذي يكون رفيعاً ومُدبباً من الأمام كسن
القلم الريحاني تماماً.
المرونة والنعومة: سُمي الخط ريحانياً لأن سطوره وحروفه
تتداخل في سيولة ونعومة تشبه تمايل أغصان الريحان، وهو نفس "الوقفة" ،
حيث يؤخر الحمام جسمه للخلف في وقفة انسيابية فريدة كأنه حرف خط عربي شريف مرسوم
على لوحة.
لقد استلهم الهاوي المصري القديم، الذي كان يجمع بين الغية وتذوق الفنون الإسلامية في قاهرة المماليك والعثمانيين، هذا الاسم ليربط بين شرف الخط وعراقة التوب.
الاحتمال البيئي الخالص:
و هناك إحتمال بيئى خالص أيضاً لتسمية الريحانى
نضعه بين يدي القاريء :
حزمة الريحان
المصرية
الهاوي المصري القديم كان ابن بيئته،
يرى الأشياء ويشبه بها حمامه فوراً دون تعقيد؛ وحزمة الريحان التي كان يبيعها
الفلاحون في أحياء القاهرة التاريخية تمتاز بتداخل لوني فريد يطابق جتة الفرد:
الأوراق الداكنة المائلة
للسواد:
نبتة الريحان البلدي عندما تشتد خضرتها في بساتين مصر ، تصبح عروقها وأوراقها
متراكمة ومظللة، فتبدو من بعيد بلون "قاتم " يشبه السواد الشديد، وهو
نفس لون جتة الفرد الخالصة.
البراعم البرونزية
(الفتيار المذهب):
تنبت في قمة حزمة الريحان زهور وبراعم صغيرة دقيقة تكون ملونة باللون البنفسجي
المحمر أو البرونزي المذهب، وهو متطابق تماماً مع لون "فنيار" رقبة
الريحاني المذهب الذي يزين سواد الجتة من الأعلى.
رائحة النعومة وخفة
الوزن:
حزمة الريحان خفيفة في اليد، ريشها (أوراقها) ناعم جداً ومهدل، وهو نفس
"ورقة" الحمام الريحاني ملك النواعم الذي يمتاز بنعومة ريشه وخفة جتته.
فيكون الهاوي القديم قد نظر إلى الفرد، ورأى في سواد جثته وذهبية رقبته نفس شكل "حزمة الريحان" التي تباع في سوق السيدة عائشة العامر، فأطلق عليه الاسم مباشرة من قلب الشارع المصري.
ثالثاً: الميزان الهندسي
والوراثي للتوب
إذا شرّحنا هذا الفرد هندسياً، نجد أن
التركيب الجيني له محكوم بقواعد صارمة يفرزها كبار الغواة :
الرأس والقورة: الرأس صغير الحجم،
و"القورة" متوسطة الارتفاع تلتحم مع الرأس بدوران بسيط، والنافوخ متوسط
العرض ليس به بطحه، مما يعطيه مظهر الشموخ والقه فى نفس الوقت.
العين والضريبة: العين شبه دائرية متسعة قليلاً
(متوسطة الفتق)، والإنسان أسود، والضريبة لارنجي بضرب ياقوتي ، مما يمنحه نظرة
"النواعم" الثاقبة والذكية.
الرقبة والفتيار: الرقبة يقسمها خط طولي أسود مخضر
(بخنَق)، والفنيار برونزي مذهب، وهو العلامة الوراثية الفارقة للتوب؛ وأي تنحيس في
الفنيار (فتحه بزيادة أو ميله للون الأبيض والأصفر الفاتح) يعد عيباً حاكماً يرمي
الفرد خارج مواصفات النواعم.
رابعاً: عيوب الجتة
والفرخ:
العظم الطويل والعريض: أي عظم أبيض أو
أسود كامل، أو يشبه عظم الأصفر، يُسقط الفرد فوراً.
الخلخلة و التشبيح : وجود ريش بلون
مختلف فى الجته أو وجود ريش أبيض في أسفل الفرد (خلخلة وظفارة)، يعني حرق الدم , أودخول
بيت غريب على الريحانى.
الجفن المحمل: الجفن يجب أن يكون
خمرياً فاتحاً، رقيقاً وناعماً، وأي سماكة فيه (محمل أو ملسوع) تعني خروج الفرد من
بيت "النواعم" الرقيقة.
هذا هو ميزان
"الريحاني" مسكوباً بوعي الغية القديم، مأصلاً في لسان العرب، ومربوطاً
بهندسة الخط الشريف وبيئة المحروسة.
لمعرفة حكاية الصافى السبربيه
و لمعرفة حكاية المرقع الغزار
#الريحاني #ملك_النواعم #الخط_الريحاني #الحمام_الغزار #حمام_النواعم
#الغية_المصرية #مواصفات_الحمام #أسرار_الغزار #تقاليب_الحمام #الحمام_المصري
#البلية #العظم_الأشكح #العين_اللارنجي #جتة_مشبحة #الظفارة #غواة_مصر
#أبو_مصطفى_عاشق_الصافي #ReyhaniPigeon #EgyptianGhazis #PigeonLovers
[1] التأصيل اللغوي للفظ (أشحج)
في لسان العرب إذا فتحنا المعجم، نجد أن مادة (شَحَجَ) تعود إلى اللون والدرجة
التي تجمع بين السواد والرمادي الداكن أو المشوب بكدرة، والعرب تسمي الغراب
"الشاحج" أو "الأشحج" لشدة قتامة لونه السواد وميله للون
الرمادي الغامق أو الكاحل الذي لا بياض فيه.وعندما وصف الهاوي القديم عظم الريحاني
(المقصوع)، أراد لفظاً يعبر عن عظم ليس بأسود فاحم كالفحم، وليس بأبيض، بل عظم خمري
غامق مشوب بسواد كاحل، وهو عين ما تعنيه كلمة "الأشحج" في أصل اللغة., ثانياً:
التحوير المصري الصارم (أشكح)اللسان المصري البلدي الفصيح لغواة المحروسة، يميل
دائماً للتخفيف وقلب الحروف ليصبح اللفظ رناناً على الطبلة وفي سوق السيدة عائشة؛
فتحور اللفظ تاريخياً من "الأشحج" إلى "الأشكح":جرى قلب الجيم
كافاً (أو العكس في بعض اللهجات القديمة) ليصبح اللفظ في الغية: "عظم
أشكح".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق